التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مستقبل صناعة الأفلام في المغرب .. بين الواقع والحقيقة

باتت عقارب حياتنا تسير على إيقاع متسارع يرقب المستقبل بترقب.. حيث يصنع المستقبل كل شيء من جديد وبطريقة مختلفة.. كيف لصناعة الأفلام التي لم يمض على نشأتها حقيقة حتى قرن من الزمان أن تصبح عرضة للتهديد في المستقبل القريب.. في هذه الأسطر نرصد معا بعض الملامح التي ينبئنا بها المستقبل..                                                          

بقلم: يوسف عزيز


أولا/ الحاضر قبل المستقبل:


تاريخ السينما المغربية منذ نشأتها لم يكن مشرقا على أرجاء المعمورة، بل لم يكن له صدى داخلي كما هو مطلوب.. ابتدأت السينما في المغرب بشكل متواضع من كافة النواحي، لا من حيث الإنتاج، ولا جودة المادة، ولا من حيث التفاعل مع الجمهور.. واستمرت تحاول التقدم في استحياء إلى حيث نعيش في الألفية الثالثة.. حيث سيطرت هوليوود على العالم من خلال السينما.. وسطرت أوروبا ومثيلاتها من القارات والشعوب ملاحم عظمى في صناعة السينما وترويجها، بل والربح منها..

مع انتشار العولمة أكثر فأكثر أصبحنا نشاهد تجارب ناجحة في التعامل مع السينما من حولنا.. سواء من الأشقاء أو من الضفة الأخرى.. حفز هذا بعض المستقلين على المنافسة على المستوى الوطني بشكل خاص، ثم على المستوى العالمي.. إيمانا منهم بأن السينما في المغرب لا تقل أحقية عن غيرها في العالمية.. يعجبني كثيرا المستوى الذي وصلت إليه العديد من الأعمال المغربية في الآونة الأخيرة، سواء تم دعمها أو نهضت بنفسها، ولن أعددها هنا.. ولكني لا بد أن أشير إلى مدى الإهمال الذي تعانيه هذه الأعمال رغم الاحتفاء بها عالميا.. وهذا مما يدل على غياب رؤية شاملة للنهوض بالشأن السينمائي في المغرب مستقبلا.. سأعرّج لاحقا على المناظرة الوطنية حول السينما بالمغرب...

أي حاضر إذا للسينما المغربية في ظل غياب تام لرؤية منهجية للنهوض بالسينما على جميع المستويات.. يجدر التذكير بالعوائق التي تعترض هذه النهضة: ضعف الدعم، ضعف التعليم والتكوين، ضعف القوانين المنظمة للمجال، ضعف التفاعل مع الجمهور... وغيرها، إذن لا يمكن الحديث هنا عن صناعة سينمائية بالمغرب، لأن الأفلام المنتجة كل عام لا يتعدى العشرات، بينما تعرض آلاف الأفلام شهريا على هوليوود مثلا.. كما أن المهرجانات المعول عليها في دعم وتحفيز الإبداع السينمائي قليلة جدا مقارنة بغيرها من الدول الأوروبية، لا يمكن الحديث عن نهضة سينمائية في ظل غياب مقاربة أمنية واضحة ومتصالحة مع القطاع السينمائي.. اليوم بات الشخص يخشى أن يلتقط صورة لنفسه وهو يسير في الخارج، قد يقف عليه أي شخص في أي لحظة ليسأله.. ماذا تفعل؟ بينما في دول يعتبر الفن فيها مقدسا، والإبداع فيها حياة.. توضع قوانين تنظم حمل الأدوات في (خارج المنشآت) وكذلك التصوير بها.. فمثلا في بريطانيا يمكن لأي فريق عمل لا يتعدى الخمسة أشخاص أن يصور أي مشهد كان، دون الحاجة إلى ترخيص أساسا..

أفهم جيدا أن الحصول على الترخيص أمر إيجابي أن يكون المركز السينمائي مثلا على دراية ومنظما لسيرورة الإنتاج، وأفهم أيضا أن الاشتراط على كل طالب ترخيص أن يضمّن في فريقه عددا من التقنيين المسجلين قبلا بلوائح المركز أمر ضروري لسوق الشغل.. لكن يجب ألا نتناسى حقا ضمنه لنا الدستور المغربي، وخصوصا في القانون المنظم للصناعة السينمائية (20-99)، في الفصل السابع، بعد أن ذكر وجوب تحصيل رخصة تصوير من المركز ختم باستثناء فقال: (لا تطبق الأحكام السابقة على الأفلام التي ينتجها هواة (...) إذا لم تكن لأغراض تجارية)، فهنا استدرك المشرّع هذا الجانب المهم للنهضة بالقطاع السينمائي، وفرق في التعامل مع صانع الفيلم بين المحترف والهاوي.. هل هناك معيار أمني للتعامل مع حامل أي كاميرا في الشارع للتمييز بين المحترف والهاوي؟ اللهم لا.. وأنا شخصيا عشت تجارب مؤلمة في هذا السياق.. وسمعت أكثر مما عشت..

إذن لا يمكن الحديث عن نهضة سينمائية في معزل عن علاقة السينما بالمجتمع، بالجيل الصاعد، وها نحن اليوم نرقب حراكا إيجابيا بين صفوف الشباب، خصوصا بعد غزو الدراما التركية، فنجد عددا منهم بدأ بكتابة سيناريوهات وإخراج أفلام قصيرة ومسلسلات.. لا هدف له إلا أن يروي قصته بطريقته الخاصة.. هل يحتاج مثل هذا أن يسافر إلى المركز السينمائي ليضرب موعدا ثم يطلب ترخيصا لينظر في أوراقه إن كان هذا العمل سينهض بالسينما المغربية أم لا، ثم يدفع مبلغا مقابل الترخيص، ثم يؤدي أجر للتقنيين العامليين معه في الفريق.. الأمر لا يستحق كل هذا العناء.. يجب التعامل مع صناعة الأفلام بمنطقها الخاص بها، فكما أن الشخص لا يصبح صانع أفلام إلا بعد أن يخرج العديد من الأعمال ليتعلم من خلالها، فكذلك يجب فتح الباب لهذه الطاقات الشابة المفعمة بالحياة أن تغذي السينما المغربية بمزيد من الروح المغربية أولا وبأفكار جديدة وقصص قريبة من الجيل الجديد.. الذي سيكون التعامل معه أصعب في المستقبل إذا لم تتخذ الإجراءات اللازمة في أقرب وقت ممكن.


ثانيا/ واقع المستقبل:


حسب (المناظرة الوطنية حول السينما في المغرب) والتي عقدت في 2012 أي قبل 5 سنوات من الآن.. فإن أكبر المشاكل التي تعترض طريق السينما في المغرب، هي غياب الدعم، وهذا جيد، ثم غياب تجهيز صالات السينما وهذه حقيقة، وكذلك ثمن تأشيرة مشاهدة الفيلم مقارنة بالقدرة الشرائية وهذه حقيقة مرّة... وأنا اطلعت على نتائج وخلاصات المناظرة (وهي متوفرة كلها في الكتاب الأبيض للسينما المغربية) فرأيت فيها جهودا مباركة وبحوثا عميقة للنهوض الحقيقي بالشأن السينمائي.. وكأن القارئ لتلك الخلاصات يستبشر خيرا في الأيام المقبلة..

ولكن مرّت خمسة أعوام، فما الذي تغير؟  عدد من القوانين التي اقترح تعديلها، هل تغيرت؟ هل تم بناء أو تجديد صالة سينما؟ هل ازداد عدد الأفلام المنتجة؟ هل تحسنت جودتها؟ سيقول بعضهم إن 5 سنوات غير كافية بالحساب السينمائي للتغيير الحقيقي، ولكني لا أخفي عنكم أنني ما لمست أي تحسن في المجال.. هل ستضيع جهود المبادرة هباء، هل يستغنى المغرب عن القطاع السينمائي لتعزيز الحضور الإقليمي والدولي، بل كيف يستغني عنه وهو من أهم القطاعات المدرة للدخل وبكل سهولة ودينامية، وقد سبقت بعض الدول العربية إلى هذا المجال خصوصا الإمارات في الدعم والإنتاج والتسويق، والأردن في التعليم والتكوين وأيضا البنية التحتية حيث أصبحت قبلة للمصورين والمخرجين من أنحاء العالم، يتمثل هذا النهوض في جهود مؤسسة (الهيئة الملكية الأردنية للأفلام)..

ولا أغفل هنا الكلمة الملكية التي افتتح بها الكتاب الأبيض، حيث لمست فيها همّا كبيرا من الملك محمد السادس يوليه لهذا القطاع، بل إني اقتبست من كلامه دررا استشهدت بها في أكثر من مناسبة، تدلل بلا ريب على الأهمية التي يوليها جلالته للنهوض بالقطاع السينمائي.. لكن الأمر يتطلب أكثر من هذا، الأمر يتطلب تنسيقا مرتبا بين كل من وزارة الاتصال والمركز السينمائي، والهاكا والمجتمع المدني والسلطة والسينمائيين وجميع الفاعلين وكل الجهات المسؤولة لوضع مقاربة واضحة لحل جميع مشكلات السينما ابتداء من محاربة القرصنة إلى تخفيض ثمن التذكرة ليكون معقولا.. الأمر يتطلب خطة محددة لإصلاح الصناعة السينمائية، على غرار خطة إصلاح التعليم.. هذا إذا كنا نبحث عن العالمية وعن الريادة المحلية والإقليمية بل والعربية/الإسلامية...

المستقبل ليس بعيدا منا، والمستقبل ليس كما يراه المسؤولون، لا يتطلب المزيد من الترقب والانتظار، المستقبل يدعونا لاستقباله برؤى واضحة، ودعم متين، ودفع دائم بالمجال السينمائي نحو الأفضل.. ما كتب في أوراق المناظرة قبل خمس سنوات كان يجب أن يطبق قبل 20 سنة على الأقل، إلى متى سنبقى متأخرين ونبقى نلوم أنفسنا على ذلك.. في الجزء الأخير من هذه المقالة أشارككم بعض الحقائق الصادمة التي قد تعجّز الكثيرين لكنها في المقابل محفزة لمن أراد منكم أن يعمل..


ثالثا/ حقيقة المستقبل:


صحيح أن صناعة الأفلام أو القصص، حافظت على نوعها منذ القدم، فالقصص لا تنتهي إلا بفناء الإنسان.. وكذلك الأفلام، لكنها تتماشى مع تطورات العصر، فقد كانت القصة شفاهية، ثم أصبحت مكتوبة، ثم مقروءة، والآن ترى... لكنها في المستقبل القريب ستفوق هذا الحد إلى حيث الخيال.. حيث ننتقل من واقعنا إلى عوالم افتراضية نصنعها كيف نشاء، بل ونتواصل من خلالها.. اليوم باتت هذه الوسائل مسيطرة على حياتنا وعلى كل تعاملاتنا، فأصبحنا لا نلتقي إلا من خلالها.. وكذلك مستقبل صناعة الأفلام..

اليوم بدأ البعض ينعى تاريخ هوليوود الذي أوشك على الانتهاء، حيث لم يعد للاستوديوهات الضخمة أهميتها، ولا للأجهزة ذات القوى العالية قيمتها.. ولا للمعدات الغالية مشتروها.. بعد أن تحول كل هذا بيد كل منا، عبارة عن مخلوق ذكي صغير مهذب يتعايش معنا ويمدنا بكل ما نطلبه بلا مقابل.. الهاتف الذكي، أصبح هو الورقة وهو الكاميرا وهو الحاسوب، بل وهو قاعة السينما.. تتجه اليوم دول كبرى كأمريكا إلى تحويل تاريخ الصناعة السينمائية إلى معلومات افتراضية يصل المشاهد إليها في أي وقت كان وبثمن معقول ليشاهدها مرة واحدة، أو يزيد قليلا من المال ليحتفظ بها دوما.. كل هذا وهو جالس في بيته أو في مقر عمله..

هذا يبشرنا بخير كعاملين بالمجال وكمنظمين له، لأن الأمر لم يعد يتطلب ميزانيات ضخمة لإنتاج الأفلام أولا ثم لبناء قاعات مكلفة ثانيا.. مستقبلا سيتم الاستغناء عن قاعات السينما، أو على الأقل سيتم الاحتفاظ بواحدة كذكرى من الزمن القديم.. فما الذي ننتظره جميعا.. أصبح الهاتف الجوال يصور أفضل من أغلى الكاميرات وجودا على الأرض ودون مقارنة ممكنة في الثمن.. وكذلك أصبحنا نستطيع التصوير من الفضاء دون الحاجة إلى مروحية أو معدات ثقيلة.. وهذا إن كان يسهل جزءا من الصناعة فإنه يصعبها كثيرا من ناحية المتابعة القانونية للصورة، إن صح التعبير..


خلاصة القول: إن التغيير الحقيقي الذي يتطلبه النهوض بالسينما في المغرب هو العكوف على صياغة قوانين ملائمة لمستقبل التكنلوجيا والمعلومات، وكذلك المسارعة إلى تأطير المجال بأخلاقيات وحدود مهنية مناسبة، وأيضا فتح المجال أمام الهواة لدخول عالم الصناعة بشكل أساسي.. لأني لمست هذه الأزمة بشكل شخصي.. خلال خمس سنوات وأنا أحاول إخراج فيلم قصير، لم أستطع، وعندما فعلت تعرضت للمحاكمة!

تعليقات